حبيب يوسف مغنيه
393
تطبيقات الوافي في النحو والصرف
نفسي . تغيّر من أحوالي وتشعرني بإنسانيّتي ؛ أجل ، كان لي محاولات كثيرة في الكتابة ، ولكنّني لم أجرؤ على نشر شيء منها إلّا بعد أن تمكّنت من اللغة العربيّة بقواعدها وأصولها وأساليبها ، وأحطت إحاطة كافية بمعظم آدابها وعلومها . في الخامسة والعشرين من عمري كان قد ظهر لي في أبرز الصحف والدوريات ثلاثة أبحاث أصيلة ، وسبع قصائد ؛ اثنتان منها تعتمدان إيقاعات جديدة ، ونظمت الأربعة الأخرى على أوزان الخليل ، تتضمّن أطولها أربعين بيتا ؛ أمّا السابعة فبلغت مائة بيت . ودفعت إلى دار النشر كتابين في الأدب والنقد : نيّف الأول على المئتين والخمسين صفحة ، أمّا الثاني فتكوّن من جزأين ، ضمّا معا ألفا وخمسمائة من الصفحات . واليوم ، وعلى الرّغم من أنّني لم أتوقّف عن الكتابة والتأليف سنة من عمري المتقدّم الذي بلغته ، فإنّني أعتزّ بأعمالي السابقة تلك ؛ ومبعث اعتزازي عائد إلى أنّها بدايات اقتضت منّي جهدا كبيرا ومعاناة طويلة ، ومراجعات متكرّرة ، فكانت بحق ثمرة صبر طويل وجهد مضن ، فكان أن احتفى بها النقّاد ، ونوّهوا بمستوياتها البلاغية الرّفيعة ، وأشادوا بمنحاها المتجدد الأصيل ، الأمر الذي وضعني دائما ، فيما تلاها من أعمال ، في موقف التحدّي ، وحمّلني مسؤولية جسمية حرصت على أن أضطلع بها بتجاوزي إلى الأفضل ما سبق من أعمالي ؛ وقد اقتضى منّي ذلك الانكباب على البحث والتنقيب ، والعودة إلى ما فاتني الاطّلاع عليه من المعارف والعلوم العربية والعالمية ، القديم منها والمعاصر .